فنون - تاريخ - المسرح الرحباني.. ملحمة غنائية نهضت بالذائقة العربية


البساطة والعفوية هي من روضت الحرف وطوعت اللحن فسخرتهما لما يزيد عن ألف عمل فني مسرحي وغنائي وسينمائي وغيرها من الفنون المعروفة حيث لم يعتمد الرحابنة في مسرحهم على الشعارات الرنانة الجوفاء وسيلة لنجاح أعمالهم فأطلق البعض على مسرحهم اسم المسرح الغنائي والبعض الآخر أسماه مسرح الأبيض والأسود فيما أطلق آخرون عليه مسرح الكمال كون مسلماته الأساسية الله.. الإنسان.. والأرض.

نهض المسرح الشعري في لبنان مع فرقة الرحابنة فمن مسرح البيكادللي ببيروت انطلق المسرح الرحباني إلى الوطن العربي بطابعه الفريد وشخصيته الفنية الذاتية غير متأثر بالتيارات المحيطة وكتجربة جديدة كان لها تأثيرها في المناخ الثقافي والفني والاجتماعي حتى بات من أبرز وأهم الفرق المسرحية العربية إذ لا يمكن مقارنة أعماله بأي أعمال مسرحية أخرى لأنه اكتسب الخلود واستطاع الخروج من فخ العرض المؤقت بصدقه ورسالته المقدسة إلا أن البعض أدانه من خلال الأغاني التي تقدم في النص المسرحي معتبراً أن الأغنية في هذا المسرح كانت على حساب المسرحية وخصوصاً أغاني السيدة فيروز لكنهم لم يدركوا أن داخل كل أغنية مشهد مسرحي وأن فيروز مع الثنائي الرحباني حرروا المسرح العربي من التقليدية والنمطية فأضافوا بعداً درامياً بتلحين الكلام البسيط والعادي.

ولا يمكن فصل مسرح الرحابنة عن المسرح الغنائي في الوقت ذاته فهو من أهم المسارح الغنائية التي ظهرت عربياً لكن بتركيبة خاصة فريدة من نوعها حيث اقترب من المسرح الأنجلوساكسوني الذي يعرفه الشعب والذي يجمع بين الأوبرا الكلاسيكية والدراما الموسيقية العصرية مع فارق بسيط أن الرحابنة وعلى رأسهم عاصي ومنصور تصرفوا في تقاليد فن الأوبرا فأدخلوا الأداء الفردي مفردين حيزاً للحوار والتمثيل فأضافوا إليه الاستعراض الغنائي أو ما يسمى بـ الميوزكال.

20120925-173841.jpgمن ناحية أخرى اتهم المسرح الرحباني بأنه لم يستطع الدخول إلى الحياة اليومية أو الفنية وبقي عملاً أدبياً يكتب لغايات فكرية وأدبية ونادراً ما يكتب من أجل المسرح فتجاهل خصوم الخشبة الرحبانية أنه مسرح الدراما الغنائية بمضمونها الإنساني فكيف يكون هذا المسرح بعيداً عن الحياة اليومية وهو بشكل دائم كان يدعو من خلال الفانتازيا الشعرية إلى الحلم والطفولة والبساطة التي تؤدي إلى الصفاء الإنساني الشامل حتى انه لم يبتعد عن السياسة التي شغلت البلاد العربية ولبنان على وجه الخصوص فكانت موضوعاته متنوعة حسب المشاكل التي واجهها لبنان والوطن العربي ولامس شعبه بداية من معالجته لمشكلة البيروقراطية في مسرحية الشخص إلى التصدي لمشكلة الإنتهازية الثورية في مسرحية يعيش يعيش إلى استبداد الحاكم الرجعي في عرض ناطورة المفاتيح ليطرح الرحابنة القضايا الكبيرة برموز ودلالات وصياغات فنية راقية.

البداية كانت في المرحلة المدرسية حيث كانت تقام المسرحيات في آخر السنة اليسوعية ليسند إلى عاصي أول دور مسرحي في مسرحية السمؤل ليقوم بعدها الأخوان رحباني بتلحين مسرحية النعمان الثالث الشخصية التي قام عاصي بأدائها بينما أسند دور الشريف بن عمر الطاهي إلى أخيه منصور حيث أنشداها من غير أوركسترا.

انطلياس كانت وقتها معقل عاصي ومنصور فشهدت ولادة مسرحهما الخالد ففي أوائل الثلاثينيات من القرن المنصرم قرر الأخوان رحباني صناعة مسرح موءقت من الخشب مستخدمين أكياساً ورقية للديكور فاختارا نص مسرحية في سبيل التاج للشاعر والمسرحي الفرنسي إدموند روستان من ترجمة حليم داموس.

كما بدأ الرحابنة مسرحهم من القرية إلى العالم اللامحدود فدخل الشقيقان من الموضوعات المغرقة بالمحلية إلى العالمية ففي عام 1957 بدأ مسرح الرحباني بالمحطة الأهم بمشاركتهما في مهرجانات بعلبك بعد أن كانت هذه المهرجانات تقتصر على الفرق الأجنبية وبدعوة من الوزير حبيب أبو شهلا إلى عاصي ومنصور للمشاركة في المهرجان ليقدم المسرح الرحباني على خشبة بعلبك باكورة إنتاجهما المسرحي على نحو.. أيام الحصاد فعلى الرغم من تواضع التجربة الأولى إلا أنها كانت تجربة مسرحية متميزة حضرها أربعة آلاف شخص وصفق الناس لها كثيراً.

وفي عام 1960 قدم الرحبانيون في مهرجان بعلبك مسرحية موسم العز بطولة كل من المطربة صباح والفنان وديع الصافي ونصري شمس الدين وفيلمون وهبة لينتقل هذا المسرح الغنائي الفريد إلى مرحلةٍ أخرى مقدماً عروضه على مسرح معرض دمشق الدولي الذي شهد مجد الرحابنة وتألقهم في حفلات قاربت احتفالات أضواء المدينة المصرية.

ويقول الناقد جان ألكسان الذي عاصر تجربة الرحابنة وكان صديقاً مقرباً لهم انه قبل مسرحية موسم العز كانت المسرحيات تتألف من ثلاثة أو أربعة فصول أما موسم العز فكانت من فصلين درج بعدها أن تكون المسرحية من فصلين فقط معتمدين على إدخال اسكتش هزلي أو أغانٍ ضمن مجرى القصة ليريحوا المتفرج من عناء متابعة الحكاية حيث اعتبر عاصي أن هذا الأسلوب نوع من التجديد والتطوير وأن أعظم المسرحيات أوقفت مسيرة الأحداث لتدخل مشاهد منفردة وعلى سبيل المثال لا الحصر مسرحيات شكسبير.

وبعد أن شكل الرحابنة الفرقة الشعبية اللبنانية قدموا مسرحية البعلبكية عام 1961 في مهرجانات بعلبك وعلى مسرح معرض دمشق الدولي أيضاً وفي عام 1962 قدموا مسرحية جسر القمر التي عرضت في قلعة بعلبك ومعرض دمشق الدولي أيضاً ليحققوا بعدها مسرحية الليل والقنديل عام 1963 التي عرضها الرحابنة في كازينو لبنان وفي مهرجان معرض دمشق الدولي.

وهناك الكثير من المسرحيات التي قدمها المسرح الرحباني ومازالت خالدة إلى يومنا هذا كمسرحية بياع الخواتم وصح النوم وميس الريم وبترا معالجين فيها قضية الإنسان منطلقين بدايةً من الفرد في القرية البسيطة إلى البعد الإنساني الأشمل كالانتماء إلى الحرية والأرض والوطن فعلى خشبة مسرحهم كشفت هالة الأقنعة في مسرحية هالة والملك عام 1967 لترفض الزواج من الملك بأن تخدعه كما يفعل الجميع لتعزز مركزها كما في بياع الخواتم أيضاً حيث جعلوا من الحب الذي صار كذبة راجح حقيقة من لحم ودم.

ويمكن الجزم أن الأخوين رحباني في بياع الخواتم حققا توازناً مميزاً بين المسرح والموسيقا فكان الشكل المادي لتحقيق هذا التوازن في هذا العرض التكون الموسيقي للشخصية المسرحية الرحبانية بداية من وضع الحدود الموسيقية المرسومة بدقة للأبطال مروراً بالطابع الموسيقي الثابت لكل شخصية على نحو المختار الحالم بالبطولة في تطابق شخصيته الموسيقية وحضوره الموسيقي وانتهاءً بشخصية راجح صاحب الخرافة عبر اللحن القوي الذي يضفي عليه صفة المسافر فمثلاً لحن أغنية طيري يا رفوف الدرج يكشف حقيقة هذه الشخصية الطيبة التي تلامس الرومانسية.

وهناك شخصيات رسمها المسرح الرحباني كثيمات عالمية على نحو.. شخصية الشاويش الذي يفرض وجوده موسيقياً بشخصيته الفكاهية إذ نلاحظ في هذا الدور التشكل الموسيقي والوحدة النغمية عبر لحن واحد ذي نوعية معينة يعلن ظهوره أو تعلنه صفيرته إضافةً إلى شخصية ريما الفتاة المسكينة التي يتجاذبها شعور الشفقة على خالها المختار نصري شمس الدين والضيق من أكاذيبه إلى أن يخرج راجح من إطار الصورة الخرافية إلى الواقع فتنتابها الدهشة المذعورة كما تعبر عنه اللحظات الموسيقية عند لقائها الأول بـ راجح بياع الخواتم وليس راجح قاطع الطرق.

كما نلحظ أن الرحابنة برعوا في رسم شخصيات الاستغلاليين عبر شخصيتي عيد وفضلو إذ يملك كل منهما كيانهما الموسيقي الذي عكس شيطنتهما واكتشافهما أكاذيب المختار واستغلالهما لها إضافةً إلى كون الرحابنة قد قدموا عريضة احتجاجاً كما سماها النقاد في مسرحية الشخص من فكرة ساذجة في ظاهرها إلى نقمة على وضع اجتماعي لا يجروء أحد على طرحه خوفاً من بطش السلطة الممثلة بالشخص حتى تصطدم بياعة البندورة.. فيروز بجهاز البلدية فيتدخل القانون القائم ليقوض كل شيء باسمه فالبلدية هي الشخص الذي يرتعد الناس عندما يذكر اسمه والكل يهرع من طريقه إلا جوهر الإنسان البسيط بائعة البندورة التي تحاوره بجرأة.

ولم يغب الاستيطان والعدو والأرض المغتصبة عن المسرح الرحباني ففي مسرحية جبال الصوان ضمن عاصي ومنصور هزيمة 1967 وقصة مقاومة الاحتلال والفساد والقهر الاجتماعي عرضهما واعتبرت هذه المسرحية من الأعمال الفنية الكاملة بدءاً من بنية النص حتى اكتمال قصته من البداية إلى النهاية وبالفعل كانت نقلة مهمة في تاريخ المسرح الرحباني ليستمر عرضها من عام 1969 إلى عام 1984 إلا أن الخاتمة اختلفت في هذه المسرحية للمرة الأولى بحالة موت على خلاف النهايات السعيدة التي تعود عليها الجمهور من المسرح الرحباني.

ولم يحافظ الرحابنة على الشخصيات الخانعة التي تقبل بالأمر الواقع وتعالج المشاكل من الناحية الميتافيزيقية والعبثية بل تحول مسرحهم إلى فن يطرح الحلول ويشير إليها فلم يغفل الرحابنة أي شريحة من المجتمع ولا قضايا الإنسان المختلفة من سواد المجتمع إلى أصحاب النفوذ متجهاً إلى أكبر شريحة وهي الفقراء والمسحوقون رابطاً الفقر بالثورة والحرية بالموت من خلال أبطال مسرحياتهم على نحو زنوبيا.. مدلج.. ملكة بترا وغيرهم والذين قايضوا حياتهم بحريتهم.

واتجه المسرح الرحباني إلى نقد الفساد بمختلف أشكاله وعيوبه فمن جبال الصوان تم تقديم أنماط متعددة من نماذج الشخصيات المتسلطة إضافة إلى مسرحية.. صح النوم ومسرحية فخر الدين الثاني وبالرغم من الموضوعات المؤلمة للمسرح الرحباني إلا أن الأغنية كانت تبدد الأسى بحزن جميل خجول حتى انه كان يترك طريقاً للأمل لنفس المتفرج وعاطفته كما في أغنية تقول.. لا تخافوا باللي بقيوا.. بدنا نكمل.. غمر الطوفان الأرض.. وعمروها اللي بقيوا.. كتار قلال شوه.. بنكمل باللي بقيوا.

دمشق كانت المحطة الأبرز خارج لبنان للعروض الرحبانية فقد كان للرحابنة موسم مسرحي سنوي يقدم ضمن فعاليات مهرجانات دمشق الفنية على معرض مدينة دمشق في أواخر كل صيف كان آخرها تقديم السيدة فيروز لمسرحية صح النوم على مسرح الأوبرا السورية حيث عاد المسرح الرحباني ليشارك دمشق احتفاليتها كعاصمة للثقافة العربية 2008 بعد انقطاع دام أكثر من عشرين عاما إضافة إلى التسجيلات الإذاعية في إذاعة دمشق فمسرح الرحابنة الذي أسسه عاصي ومنصور وفيروز ما زال مستمراً بوصية عاصي الذي قال.. على كل رحباني أن يتعلم الموسيقا حتى ولو لن يمارسها مستقبلاً لكن زياد وريما ومروان وغيرهم عملوا بالوصية على الشكل الذي يريح عاصي تعلموا الفن وعملوا فيه.

ولابد من التأكيد على أن فلسفة المسرح الرحباني تلاقت مع مختلف الفلسفات الإنسانية الداعية إلى الخير والحق فلقد استطاع المسرح الرحباني إيجاد هويته فيما استورده من أصول فنية أوروبية وألبسها موضوعات بحلة عربية من هموم وقضايا الإنسان العربي وأهم ما ميزه أنه محبوب من جمهور واسع متنوع الميول والثقافات وذلك عبر ملحمة الأغنية وملامسة هموم الناس اليومية والصدق العالي في كتابة اللحن والحوار والابتعاد عن التفاصح على المتفرج.


المصدر: إختيار:رنيم طوفان-نقلا عن سانا

تاريخ الانشاء: 2012-09-27



التعليقات : (1) اكتب تعليق على هذا المقال .

الاسم *
البريد الإلكتروني
التعليق *
الرمز الامني *

    فنان 2012-09-27 - 08:10:27

  • للرحابنة دور هائل في تطوير الجودة الطربية العربية والتذوق الموسيقي الممتع جدا.

المواضيع الأكثر أهمية

معرض الصور

المواضيع الأكثر تعليقاً


يرجى تنصيب مشغل الفلاش

الحصول على برنامج مشغل الفلاش

يرجى تنصيب مشغل الفلاش

الحصول على برنامج مشغل الفلاش

يرجى تنصيب مشغل الفلاش

الحصول على برنامج مشغل الفلاش

يرجى تنصيب مشغل الفلاش

الحصول على برنامج مشغل الفلاش