اعلانات مبوبة مديرية مالية اللاذقية تسعى جاهدة لحل شكاوى المواطنين عبر التواصل مباشرة. مؤسسة الطيران المدني-جهود حثيثة لأداء متميز. صيدلية شهناز-جبلة-قرب ال م ت ن. مطعم الجغنون -اللاذقية- وجبات متنوعة حسب الطلب-إطلالة بحرية. المصرف التجاري السوري يحاول جاهدا تأمين كافة خدمات المواطنين وبالسرعة القصوى-أية شكوى عليك مراجعة الإدارة فورا-ساحة المحافظة. الإدارة العامة لمصرف التوفير-دمشق- مقابل ساحة عرنوس- خدمة متميزة لكل المواطنين. قرار: يوقف العمل بكافة التكاليف الممنوحة من قبل الموقع لكافة العاملين في الموقع إعتبارا من 1/12/2018 لحين صدور تعليمات جديدة.

القصّة القصيرة جدًّا نشأتها ومقوماتها..فيديو


الاربعاء 02-09-2020 - منذ 3 اسابيع - إهتمام رئيس التحرير :أ.فايز علي نبهان

  تمهيد

السّرد فنٌ رافق الإنسان منذ بداية الخليقة مخبرًا عن وجوده، اتّخذه طريقًا إلى تخليد إنجازاته، ونسقًا يلملم حزنه وينقّيه وينقله إلينا بأناقة وبأكثر الأدوات تفعيلاً للخطاب الموجّه إلى المتلقّي  وتختلف الطّريقة التي يُحكى بها السّرد من نص إلى آخر، حسب رؤية الكاتب الوجوديّة،  واستعماله التّقنيّات السّرديّة بما يتوافق ومفهومه، أو تبعًا للموضوع الذي ركن إليه مستخدمًا الأساليبَ التّعبيريّة، وما يتخلّلها من حواراتٍ وأوصاف ووحدة الحدث والموضوع  وما إلى ذلك من التّقنيّات التي اتّفق  النّقّاد والباحثون عليها.

تظهر في كلّ مرحلةٍ تطوريّةٍ فكريّةٍ، أجناسٌ أدبيّة تجد لنفسها التّربة المؤاتيةَ للنُّموِّ، تستنبت فيها مسراها وتستأمنها على خصائصها ومميّزاتها، لتتسرّب إلى الفضاء الكونيّ بهدوء وسلاسة، وعلى الرّغم من ذلك فإنّ كلّ جنس أدبيّ، يتعرّض إلى الكثير من النّقدِ والتوجّس والتّغريب… يحاول النّقّاد أن يقوّضوه، ويحجّموه ويقلّلوا من شأنه وأهمّيّته .شأن كلّ جديد، فكلّ جديد مكروه، وعليه أن يخوض حربه ليفرض ذاته الأدبيّة التي استولدها الكاتب من رحم الواقع. “فكلّ أدب جديد هو عدائيّ”([1])، وعلى هذا الجنس المولود أن يثبت وجوده ويحدّد طرائقه، وتقنيّاته ولغته غير المصطلح والمفهوم والجنس، يخلع عنه كلّ ما يمكن أن يعرّضه للتّعمية والضّياع والتّهويل، فيأخذ نفسًا عميقًا لتنبلج رويدًا رويدًا أجوبة، تصطفُّ اللّبنة تلو اللّبنة لتخلق لنفسها شكلاً ومضمونًا وقواعد ورؤية مشتركة بين مختلف الكتّاب الذين تجمعهم هموم وتطلّعات واحدة على الأغلب ولما كانت القصّة القصيرة جدًا واحدة من الأجناس الأدبيّة، الحديثة والطّارئة على المشهد الثّقافيّ العربيّ، فقد أثارت حفيظة الكتّاب وهواجسهم، فانكبّ البعض منهم على دراستها مقاربةً وتحليلاً، تفكيكًا وتركيبًا، ومقارنة بالأجناس الأدبيّة الأخرى خصوصًا القصّة القصيرة، وبعد هذه المناكفات حاول النّقّاد أن يخرجوا بإطار موحّد .ذلك أنَّ القصَّة القصيرة جدًا بدأت تفرض نفسها، وأصبح لها روّادها وعشّاقها، وكثرت الإصدارات لكتّاب امتهنوا وعشقوا هذا النّوع الأدبيّ الدّقيق والصّعب، الذي هو أشبه بحبل يتدلّى في فضاء شاسع يحملك إلى عوالمَ متنوّعة ومختلفة، شرط ألا تزلَّ قدمك وتسقط.

نشأة القصّة القصيرة جدًا

هناك شبه إجماع بين النّقّاد والدّارسين، على أنّ منشأ القصة القصيرة جدًا يعود إلى الغرب، من خلال قصّة كتبها الرّوائيّ” أرنست همنغواي  سنة1925 م، وهي مؤلّفة من ستِّ كلمات: “للبيع… حذاء طفل لم يلبس قط”. “وهذا دليل على أنّ فن القصّة القصيرة جدًا فنٌّ وافدٌ إلينا، على الرّغم من جذوره التّراثيّة. بمعنى أنَّ نشأة القصّة القصيرة جدًا، وذلك على مستوى الوعي والمقصديّة والنّيّة، غربي النّشأة والاصطلاح([2]) .ويورد معظم الباحثين اسم” ناتالي ساروت” الكاتبة الفرنسية على أنّها أوّل من كتب القصّة القصيرة جدًا عام1932 م، ولكنَّ ثمَّة كتّاب آخرون كتبوا في هذا الفنّ، إلّا أنّهم لم يذكروا مصطلح قصّة قصيرة مباشرة”: وقد وردت أسماء لكتّاب آخرين قبل ساروت بثلاثة عقود أكثر أمثال: أليكس فينون Alex Vinon وإدغار آلن بو Edor Allan poe، ولكنّهم ما أسموا قصصهم بقصص قصيرة جدًا، وحتى ساروت نفسها أسمتها (انفعالات،) ولكن فتحي العشري عندما ترجمها في مستهل سبعينيات القرن الماضي أسماهاقصصًا قصيرة جدًّا)، وبذلك تذهب الرّيادة إلى ساروت([3]).

ولا بدّ من الإشارة الى أنّ للقصة القصيرة جدًا جذورًا في تراثنا السّرديِّ العربيِّ القديم، كما أورد العديد من الكتاب والنقاد، وأذكر منهم يوسف حطيني الذي يرى أنّ هذا الجنس الأدبيّ له جذور في تراثنا العربيّ، ساعدت على تجلّي هذا الفنّ وبلورته. ويقول د . مسلك ميمون في كتابه ما قبل السّر: “إنَّ القصّة القصيرة جدًا فنٌّ أصيل، ما دام له جذور في تراثنا وثقافتنا وأدبنا الشّفهيّ والمكتوب والأمر ليس من باب المزايدات الأبستومولوجيّة، بل هي حقيقة دامغة، وصلت إلى حدِّ مستوى الاجتهاد التّعريفيِّ، يعرّفها محمد مينو بما يأتي:” القصّة القصيرة جدًّا حدث خاطف لبوسُهُ لغة شعريّة مرهفة وعنصره الدّهشة والمصادفة والمفاجأة والمفارقة، وهي قصٌّ مختزلٌ وامضٌ يحوّل عناصر القصّة من شخصيّات، وأحداث، وزمان ومكان إلى مجرّد أطياف ويستمدّ مشروعيّته من أشكال القصِّ القديم كالنّادرة والطّرفة والنّكتة، فالشّكلُ قديمٌ ويرجع إلى تلك البداياتِ وربّما يعود إلى الرّواد الأوائل (خواطر، محمود تيمور الملحقة بمجموعته القصصيّة (ما تراه العين سنة1922 ([4]). ويعود الكاتب ليؤكّد عروبيّة هذا الفنّ، وأنّ هذا الفنَّ أورق وأزهر نصوصًا قصيرة جدًا عند نجيب محفوظ (أحلام فترة النقاهة)، وما كتبه يوسف إدريس، وزكريّا تامر، وتوفيق يوسف عوّاد. ويقول أحمد جاسم الحسين: “وفي ما يخصُّ القصّة القصيرة جدًا، وهي تستفيد من سمات عدد من الفنون والأجناس.  ولكنَّ ذلك لا يعني أبدًا أن تنسب إليها، أو تصير تابعة لها. نحن أمام فن أدبيٍّ، راح يثبت حضوره وجدواه يومًا بعد يوم، ويبدي مرونة ستتيح له ترسيخ جذوره، وتطوير ذاته، بالإضافة إلى أن هذه المرونة تسمح للكاتب والمتلقّي بحرّيّة الحركة، والإبداع، والتّحليل والتّأويل”([5]).

فنّ القصّة القصيرة جدًا

إنّ القصّة القصيرة جدًا، هي قصّة أولًا، وقصيرةٌ بعد ذلك، لها خصائصُها، التي تجعلها، تتفرّد عن أيّ نوع أدبيٍّ آخر، وهي قد تستفيد من الفنِّ والموسيقى، والرّواية، والقصّة، لكن لها أركانها وشروطها،أركانها النّابعة من بنيتها وكينونتها المستقلّة، وهي تأخذ ما ينفعها وتترك ما يضرّها، ملتزمة بالمقولة المأثورة “الكثير ما يقال في موجز المقال”؛ فينخدع الكثير بالحجم، فيكتبون من غير دراية أو معرفة بأولويّات هذا الفنِّ، فلا تثير في المتلقّي الدّهشة، ولا تُحدث فارقًا في نفسه، ولا تحمله على التّساؤلات ولا على التّأمُّل…

أركان وخصائص القصّة القصيرة

يقول الدكتور أحمد جاسم الحسين إنَّ بناء القصّة القصيرة جدًّا تتألّفُ من أربعة أركان رئيسة هي: “القصصيّة – الجرأة – وحدة الفكر والموضوع – التكثيف”([6]). أمّا الدّكتور يوسف حطينيي فيحدّد عناصر القصّة القصيرة جدًّا بـ: “الحكائيّة –  الوحدة – التّكثيف – المفارقة – فعليّة الجملة”([7]). أمّا الأركان المُهِمّة لدى الدكتور جميل حمداوي فهي: “أركان تتعلّق بالجانب البصريِّ أو الطبوغرافيّ، أو بالجانب التّركيبيّ، أو بالجانب البلاغيّ، أو بجانب القراءة والتقبل، أو بالجانب السّرديّ، أو بالجانب المعماري”([8]). يضيف الباحث الحداثويّ الدكتور مسلك ميمون الكثيرَ من المصطلحاتِ على مفهوم القصّة القصيرة جدًّا، في محاولة لاحتواء إرهاصاتِها وامتدادها العميق، فيتوسّع في تحديد المكوّنات التي تتواشج لتؤسّس لهذا الفنّ، على أنّ هذه المكونات ليست من المستحدثات، أو المستجدّات: “كالإيجاز، والتّكثيف، والرّمز، واللّغة القصصيّة الشّعريّة الإيمائيّة، والكلمة البلاغيّة، والحكاية المحكية، والطريقة الاختزاليّة، والوحدة الموضوعيّة والعضويّة، وخاصّتي الاتّساق والانسجام، وانبثاق التّوتّر الدّراميّ، والتّأرجح بين الواقعيّة التّخييليّة، والرّمزيّة المقنعة وتقنيّة المفارقة المستفزّة . وإن كان لكلِّ كلمة خصوصيّتها في القصّة القصيرة جدًّا، وشروطها، وتقنيّاتها، فإذا أخذنا القصصيّة، أو الحكائيّة التي عمادها السّرد، والتي تستوجب القدرة على الكتابة المختزلة (حذف/ إضمار)، لأن ليس كلّ من يكتب يمتلك هذه القدرة الفنية التي من حسن خصائصها وأبلغها: التراكيب وكثافتها، والأساليب وتنوّعها، والشّيفرة وترميزها، والإشارات الإيمائيّة (gesticulation) وعمق دلالاتها… هذا فضلاً عن نسق المصادفة والمفاجأة، والبعد الأيقونيّ، والتبئير، أي موقع الرّوائيّ من عمليّة القصّ، وعلاقته بالشّخصيّة الحكائيّة، فضلًا عن موازيات النّصِّ كالعنوان مثلاً ما يتيحُ آفاقَ التّأويلِ المختلفة. ويفسح في مجالات القراءة المتنوّعة”([9]).

ولا بدَّ من الإشارة إلى أنّ معظم الباحثين قد شدّد على أهمّيّة القصصيّة والتّكثيف والوحدة، وتأتي المفارقة والرّمزُ والتّناصُّ والاختزالُ من الأركان الأساسيّة المتمّمة لعناصر القصّة القصيرة جدًا، فمثلاً المفارقة تمدّ النّصّ بالحيويّة وبالتّنوُّع، والاختلاف والضّدّيّة، وعلى الكاتب أن يحسن استغلالها لتحقيق الكفاءة النّصّيّة. أمّا التّناصّ فهو تعالق النّصوص وتواشجها، حيث تتوّلد قراءة جديدة من حيث التكثيف والتحليل، والتماهي والاستفادة من نصوص أخرى على مستوى الحدث، أو الشّخصيات في بوتقة تجديدية بعيدة من النمطية وغير مسايرة لما هو رائج.. هنا يدخل عنصر التّخييل الذي يتموضع في قوة الكلمة والمعنى الكامن، والتّجريدية والعصف الذهني.

أما الرمزية فقد خصّص لها الباحثون مساحة واسعة من حيث القراءة والتحليل والتأثير، على أساس أنّها نسقٌ تعبيريٌّ يحتاج إلى تدبّر وتأمّل، للوصول إلى البنية السّرديّة العميقة، والرّمزيّة تتقصّد الابتعاد من المباشرة، حين لا تستطيع التّعابير المعتادة أن تفضي إلى عمق الشّعور، والذات وما تنطوي عليه.

ولا يمكن في صفات معدودة أن نحصي خصائص ومكوّنات القصّة القصيرة جدًا جميعها، فعلى الرغم من صغر حجمها الذي لا يتعدى ثلاثة أو أربعة أسطر في العادة، فإنّها تحتاج الى تقصٍّ وسبر ودراية وإلا تتحول إلى خاطرة تأمّليّة، أو شذرة قصصيّة أو قطعة نثرية…

  القصة القصيرة جدًا رؤية، إشكاليّة، حداثية

        في إطلالة على باقة من الكتّاب المعاصرين في العالم العربيِّ الذين لهم إصدارات ضمّت هذا اللون القصصيّ المميّز

كانت لهم آراءهم وتطلعاتهم وهواجسهم…  فما هو الشغل الشاغل لهؤلاء الكتاب بعد مرور هذه السنوات الطوال على ولادة القصة القصيرة جدا!..

  • الأستاذ خلدون الدالي )اليمن)([10]) بتوجُّس يتحدث الكاتب خلدون الدالي، وهو كاتب معاصر من اليمن عن تخوُّفه على هذا النوع القصصيِّ من التّشويه، فهو قد ذكر أنَّ صفحات التواصل فسحت في المجال لانتشار هذا النوع الأدبيِّ كالنّار في الهشيم، فاستسهل البعضُ الكتابة، ولم يلتزموا بخصائصه وشروطه، فجاء الكم الهائل من النّصوص لكتّاب مغمورين أشبه بالشّذرة القصصيّة، أو الخاطرة أو مجرّد خربشات… فلم ترتق تلك النّصوص إلى إذهان القارئ بجودة مضمونها وفكرتها ورسالتها، الكاتب اليمنيّ أصدر مجموعته القصصيّة “ركام الدموع” وهي تتألّف من مئة وقصّتين، استحوذت على هذا الكاتب هموم وأشجان الوطن والإنسان، في رؤية تواشجت وروحه النقية التي انسابت رقراقة في قصصه القصيرة جدًا…

هذا الكاتب الملتزم بشروط القصة، والذي يعمل جاهدًا من خلال الرابطة اليمنيّة والعربيّة للقصة القصيرة جدًا، والتي استقطبت عددًا كبيرًا من الكتّاب على مستوى الوطن العرب .في الوقت عينه، هو يخاف كما أسلفنا على هذا النوع القصصي من الوقوع في فخ الاستسهال والتخبّط، بحيث يتناسى البعض شروط القصة القصيرة جدًا. إنّ الكاتب خلدون الدّالي الذي عانى ويعاني من ويلات الحرب في اليمن، تمثلت هذه المعاناة في قصصه، لما آل إليه الوضع وأثّر على الأرض والإنسان والمستقبل، فاتخذ من الّلغة العاطفية والّلغة المتنوعة، والّلغة التي توهم بوضوح الرؤية، ولكنّها تنتهي بما يفيد الدهشة، أو الحيرة، أو التأويل والتأمل. فيكتشف المتلقي أنها لم تكن لغة بريئة شفافة، بل كانت لغة مخاتلة تكتنز ما اخترق أفق توقعه. فيبدو التّعبير طافيًا بينما الحقيقة تكمن في العمق، فهي كتابة مخاتلة، تكتم أكثر ما تبدي،  في أغلب النصوص على حد تعبير دكتور مسلك ميمون”( [11]).

ولتكون القصة القصيرة جدًا ناجحة برأي الكاتب خلدون الدالي، يجب أن تكون بدايتها قوية ومؤثرة بحيث تشدّ انتباه القارئ وتحرّضه على متابعة القراءة. ويُعدُّ أن البداية القوية إحدى العناصر المهمة، ففي “ركام الدموع” ولدت كلّ حكاية لتكون قصة قصيرة جدًا، مستوفية شروط كتابتها واستمرارها، ومكتفية بمشاهدها وشخوصها، فلم أعمل على استبدال فكرة قصة قصيرة جدًا، بمشاهدها وشخوصها، ولم أفكر في توسيع أفق قصة لأجعل منها لاحقًا قصة تأمّلية، ولعل هذه السمات الممتعة التي رافقتني خلال كتاباتي “ركام الدموع…”.

وأكثر ما أجهد هذا الكاتب هو اختياره للعناوين، لأن العناوين عتبات حقيقية، تكشف بذكاء عما يليها على حد قوله . وعندما يتحدث الكاتب عن معاناته ومشاهداته المؤلمة الحقيقية يقول: “إنّ المعاناة مطرقة كبيرة في كتاباتي القصصيّة، ورغبة جامحة في تمثل عذابات الناس وترجمة أحزانهم” .من هنا كانت مجموعتي  “ركام الدموع” رصدًا للواقع الفاقع، والتقاطًا لما هو طافح وبارز. وحين سألته عن مستقبل القصة القصيرة جدًا توقع أن يكون لها مستقبلٌ مشرقٌ وحضورٌ فاعلٌ. على الرّغم من الحملة التي شنّت على هذا النوع الأدبيّ، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ والقصة القصيرة جدًا ليست استثناء، وإنّ ما نفتقده بالفعل هو الدراسات النقدية البنّاءة لهذا الفن الإبداعي الجميل. يربط الكاتب القصة القصيرة جدًا بالمعمول الإنساني. حيث جاءت هذه الأضمومة في ثيمتها وسط تضاريس من الدم والدموع والحزن.

فاختيار العنوان له أهمية خاصة بوصفه يرسم الدواخل العميقة للنص ويضع المتلقي في باحة من التأويل والتفسير بآفاق متعددة تتواشج والمتن، فــ”ركام الدموع” عنوان شاعري مأسوي فالركام جاء من الجذر اللغوي “ركم ([12])“أي جمع وحوّل الأشياء كومة مركومة، وقيل إنّ “المركوم” هو المتجمع من أجزاء كثيرة فتراكمت في مكان واحد في حين أن جذر “دمع”([13]) سال، وانسكب، أو تدفق فالدمع لا ينسكب إلا لحالة عميقة ومؤثرة، يدخل الرمز والتأويل في هذا العنوان المختزل ليحصر في الهم الإنساني بشكل لافت، وفي ما يلي نعرض مجموعة من القصص القصيرة جدًا من أضمومة “ركام الدموع”:

“الشعائر الأخيرة([14])

تردّدت الصرخات…

انزويت في غرفة مظلمة!

رفعت صوتها بالعويل؛ اخترق الصوت مسامعي…

استفقت مذعورًا، رأيت شررًا، يتطاير من عينيها، وقد تحلق حول ثديها -“الجاري حليبًا أسود”- ذئابًا… تنهش تفاصيل بسمة عذراء”…

نلحظ أنَّ القاصَّ استخدم خمس جمل فعلية خالية من المتعاطفات والظرف والتعليق لتنتهي القصة بنهاية صادمة “ذئابًا تنهش تفاصيل بسمة عذراء”، استخدم الفاصلة بدلاً من الواو، وفي النهاية استخدم الفاصلة المنقوطة بدلاً من فاء العطف ليعطي النص التتابع، والتضارب… والحذف، والإضمار فيضفي كلّ ذلك لسرعة النص”([15]).

خوف: وفي قراءة لنص الخوف)[16])  فتحت الباب، قفز مدهوشًا، فارًّا إلى غصن شجرة توت؛ عاد “مسرعًا يرتعش فزعًا من الحرية”.

في هذا النص يسرد الكاتب قضية الحرية ويقوننها، فالحرية الخارجة والفزع، والمفارقة في هذا النص ما بين تحول الحرية لاستبداد مرعب والسجن للحرية والأمان… وهذا انعكاس لتأثّر الكاتب بتداعيات الحرب وتشظي روح الكاتب وتماهيه في الحرب اليمنيّة، وتأثّره المباشر بها، وكيف جسّد هذا الدخان الأسود من الوطن الجريح في كتاباته. وهذا ما لمّح إليه الكاتب في نص “الأمم المتحدة: “الأمم المتحدة؟”([17]).

بيد كلّ واحد منهن “منديل”، وقد أعدت  “كبيرتهن” لهن متكأ، حين خرجت عليهن بقميصي الأخضر ونخلتي، تابعن، الطواف من حول المائدة السافرات بالكؤوس؛ يوزعن الأكل، والابتسامات، على السادة، غير آبهات…

ولما أتممن الطقوس؛ انتفضن جميعهن، بصقن ورمين المناديل في وجهي، وعدن سيرتهن الأولى يكرعن من العسل “زعيمهن” حد الاشتهاء…

يشير الكاتب إلى مكامن التبجح والظلم والاستقواء، حيث تطبخ المؤامرات، وتوزع المكائد، وقد استخدم الكاتب التناص والتلغيز والإضمار، بشكل انسيابي، ليوصل إلينا فكرة أن الظلام أصبح وقحًا لدرجة أنّ له طقوسًا معلومة، وسيرة، وزعيمًا معروفًا، وأصبح للمؤمرات زمان ومكان باسم الحرية والعدالة…

عبد الرحيم التدلاوي([18])

عبد الرحيم التدلاوي كاتب من المغرب له العديد من الإصدارات في القصة القصيرة جدًا ومنها “المشهد الأخير”، “وكأنّه حدث”، “شفاه الورد” ، “وجوه مشروخة”، “رنين الانكسار”، “الطيور لا تنظر خلفها حين تحلّق” الحاصلة على الجائزة الأولى في المهرجان العربي بالناضور.

يتحدّث الكاتب بتواضع عن تجربته القصصية: “لا أحب نصوص الألغاز، التي تسعى إلى إخفاء ضعفها بالرموز، والرموز الكثيرة مثقلة لكاهل النص. التكثيف والمقارنة أمران أساسيان، وأضيف إليهما القفلة المراوغة والمدهش”. في المقابل يخاف الكاتب من الاستسهال، وطغيان النصوص الملغّزة التي تخفي سطحيتها حين تقرأها تفقد توهجها، ويخاف على القص الوجيز من غياب التجديد والمغامرة.. يستمع إلى ما يعتمل بداخله وما يحمله من نظرة ومغامرة في العقول… إنّه قاص كوّن علاقة حميمية شديدة الارتباط بقصصه من دون تكلّف أو صنعة، دائم البحث عن الذات القصصية في نسق مختلف الى حد ما. ففي أضمومة  “كأنه حدث”؛ حافظ الكاتب على البؤرة السردية، في تمركزها ووظيفته. في نسقية من الإيجاز، والتكثيف اللغوي، بسبب الحذف والإضمار. نصوصه تتطلب استحضارًا ذهنيًا، وفطنة بلاغية، التسريع الذي لا يقف عند التعبيرية، والوصفية اللفظية، أو السرد التكراري، فهو، متوثب مركز وهادف . وشغوف متصيد لأصدق اللحظات الإنسانية:

قيل)[19] (

خرج من منزله مصفرّ الوجه، كظيم القلب، مضطرب النفس… الأكيد: أنه ركب سيارته، وانطلق سريعًا، بالطريق السيار، قرأ لوحة إلكترونية تقول: لا تسرع،  فلديك أحبة بانتظارك، زاد في السرعة، كأنّ سهمًا طائشًا، اخترق قلوب أولئك الأحبّة، فنزفت ندمًا. في هذه المشهدية نرى أنفسنا في مواجهة مشهدين: الأوّل داخلي، حيث يغوص الكاتب في عمق النفس البشرية، يترجم قلقها وخوفها في هذا العالم القاسي، ولكنّه يسير ضمن هذه العجلة على الرغم من آلامه الداخلية،  فيركب سيارته، منطلقًا، يزيد من سرعته وهو يتذكّر أحبته الذين تساووا في طعنه والحياة، ليأكلهم الندم بعد رحيله الإرادي…

غرور

نأى إلى صخرة عالية. بدت له الخلائق صغيرة جدًا حشرات… أخرج عبوة رش المبيد؛ فسقط جثة هامدة. الصّعود إلى أفق الحرية والخلاص، الانفلات والتوجس، حالات مؤقتة انفعالية، تتكسر النمطية، في سرداب النفس البشرية. يقول في قصة “تراتيل”: “دخل قلبها فارس على أنغام الفرج… أخرجوه على محفة”. ضياع العلاقات وتشظيها في عالم مترد تحكمه المادة، نلمح سخرية تهكمية تأخذ نسق الطرافة، ضمن تراكيب إيمائية متتابعة وسريعة، والانزياح الذي ولّد رؤيوية مشوقة تجعلنا نشارك البطل لحظات اللقاءات الجميلة، ونستشعر النهاية المؤلمة لهذه العلاقة.

صقر حبوب([20])

وهو ناقد وكاتب وباحث في مجال القصة القصيرة جدًا، له العديد من الإصدارات، منها: “نافخ الكير” أضمومة قصصية قصيرة جدًا، إلى جانب قراءاته النقدية للعديد من الإصدارات “رصعة في خد السرد”، الصادر عن رابطة القصة القصيرة جدًا في العراق والعالم العربي، و”سنابل من حبر” في جزئها الأول عن الرابطة العربية اليمنية،  يقول الأستاذ صقر حبوب([21]): إنّ أهم المشاكل على الإطلاق هو ذلك اللغط حول عناصرها، وما يرمي إليه التكثيف والاختزال وارتباطه بعدد الكلمات والطول والقصر، وكذلك اقترانها من عدمه بالصبغة الشعرية حيث إنّها تصنّف آخر عنقود السرد الأدبي فقد نبتت من القصة.

كذلك من أهم مشاكلها الترميز وعدم وضع مفاتيح للوصول إلى المقصد عند بعض كتّابها، وكذلك اختلافها البيّن بين دول المشرق والمغرب، وبالنهاية عدم وجود رؤية موحّدة يجب أن يتفق عليها الأدباء خصوصًا رؤساء الروابط الأدبية على العالم الأزرق.

إحدى الدراسات النقدية للباحث تتناول “العنوان” لأهميته . فهو يقول: “إنّ العنوان هو الواجهة الإعلامية للنص. مفتاحٌ للتعامل مع النَّص في بعديه (الدّلاليّ والرّمزيّ). هو مرآة النسيج النصيّ وشريك الأديب لاقتناص القارئ؛ العنوان علامة كاملة تحمل دلالة ومدلول. ويجب أن تتوافر السمات الآتية في العنوان الناضج:

  • السّلامة اللغوية.
  • الإيجاز.
  • الانسجام مع النص.
  • تقديم معنى دقيقٍ ومفيدٍ.
  • يتمتّع بالموضوعيّة والتوازن.
  • أن يكون جذابًا ومشوقًا.
  • احترام الذوق العام.

أما “القفلة” فيرى الباحث أنها يجب أن تترك للقارئ متسعًا من التأويل والاستنتاج والتخيل وتعتمد على صور البلاغة الأدبية، مثل (الكناية – الاستعارة – المجاز – وغيرها).

ويُعد الباحث “القفلة” من أهم عناصر كتابة القصة القصيرة جدًا، فهي النقلة المباغتة من أغوار النص المتحفّز الى خارجه الصدام المُستفز… وتفتح النص أمام المتلقي فتثير دهشته وتجعله يشعر بالذهول والإعجاب والتحليل بالإبحار في عمق النص رجوعًا إلى عنوانه. وهذا الرأي يتوافق ورؤية الكاتب “محمد ميالي” من العراق.

 محمد ميالي([22])

علّق الكاتب والمخرج العراقي محمد ميالي على أهمية “القفلة”، خصوصًا إذا كانت مباغتة وغير متوقعة، وفي مقابلة أشار الكاتب إلى العناصر الثانوية في القصة القصيرة جدًا (الرمزية – الانزياح – الإضمار – الاستعارة – الشّاعريّة)، يقول الكاتب: إنّه لم يثبت لنا من خلال قراءتنا ،واطلاعنا، ومتابعتنا للنصوص أنّها رئيسة، وملزمة كما في العناصر الأساسية التي ذكرها في مقال سابق وهي (التكثيف – المفارقة – الخاتمة المدهشة).

ولذلك دعونا نسمّيها بالمحسِّنات، أي أنَّها وسيلة من وسائل صناعة الجمال.  وبهذا نستطيع كتابة نصٍّ خال منها، ولكن لا نستطيع كتابة نصّ خال من العناصر الرئيسة كالتكثيف مثلا أو المفارقة . وأورد الكاتب نصّين كمثال:

تمويه

ارتقى البحر أجنحة الغيوم، اعتدل الأفق، أكل السمك من مائدة الطير، استفزت الجاذبية تفاحة نيوتن، استبدلها بحبة قمح.

النص الثاني: بيّنة

نثر عليها وردًا؛ غازل طرفه بسمها، تمنّعت شفتاها، بحث عن رصعة خديها، لم تعترف الدمعة بالسرقة بعد. يشدد الكاتب على أهمية المفارقة في القصة القصيرة جدًا الحداثوية ومن دونها يصبح النص خبريًا، فاقدًا هوية هذا الجنس . ولا بد من الإشارة إلى أن الكاتب يعدُّ أنَّ الحداثوية في القصة القصيرة جدًا ظهرت ما بعد2010 .

أهمّيّة الأفعال في السّرد

يرى الأستاذ محمد ميالي أن للأفعال أهمية كبرى ودورًا فعّالًا في عملية السرد، لدينا الفعل الماضي والفعل المضارع  يورد الكاتب خلافًا بين رأيين:

الأوّل يُدخل الفعل المضارع على السرد بشكل عام، ويعدّه حالة طبيعية على أنّ الفعل الماضي هو الأساسيّ في وصف الحدث السردي على أساس أنّ القاصَّ يسرد حدثًا مضى زمنه أي بعد وقوع الفعل.

فكيف لنا سرد حدث لايزال واقعًا وحدثه مستمرٌّ لم ينته، أو نقل فعل لم يحدث بعد…؟

يجيب الكاتب: إنه من الممكن ذكر حدث آنيٍّ بفعل مضارع لضرورة معينة وهو كما يقال فعل اللحظة، والضرورة هنا ليست الفعل بذاته بل حالة الفعل.

عاقبة

حمل خشبته على ظهره، باحثًا عمّن يصلبه عليها، أخرجوا لسانه من قفاه، صفقوا للكهنة، مازال الصوت يهدر؛ الحق كلمة.  وهنا جاء الفعل “يهدر” مضارعا لاستمرارية الفعل حسب الضرورة التي وقعت. كذلك يأتي الفعل المضارع لضرورة في المشهدية، حين يصف الراوي حدثًا مشهديًّا، ولكنه يعود مجدّدًا للفعل الماضي في الخاتمة… ختم الكاتب قائل: “الكتابة غزوة دلو في بئر، إما أن يظفر بماء أو لا، والماء أنواع، عذب وأجاج” .

زيد سفيان اليمن

وبالانتقال إلى كاتب ممّيز على مستوى القصة القصيرة جدًا، وهو من اليمن، الأستاذ زيد سفيان: له إصدارات عدة منها: “للفرح عمر واحد”، “حين أتعثر ببعضي”، “باقة جمر”، والإصدار الأخير “طاعن في الضوء”. هذا الكاتب المغترب الذي حمل في طيّات روحه هموم الوطن وأوجاعه، والإنسان، وتطلعاته، وشجونه، المستلهم أفكاره من الرؤى والواقع، مازجها بين ما هو واقعي وما هو محض خيال في نسق سردي مختلف ورؤية متواشجة مع الثيمة، وقد برع هذا الكاتب في مجموعاته: استخدام التخييل، وقوة الكلمة، والتجريدية ،والجرأة، والعصف الذهني، والرمز، والتناص، والمفارقة، والاستعارة، والاستفادة من نسق القصيدة النثرية، والقفلة المدهشة، حيث يخاطب في نصوصه كل الفئات النخبوية والعادية. في أضموماته كل المؤثرات القبح، والجمال الأخلاقي، والسّياسة، والاجتماع، إلى جانب الشّجن، والعاطفة، والإبحار في الجوارح، والإنسانية، وحس سردي عال متّقد.

علّق الناقد مسلك ميمون على أضمومة “للفرح عمر واحد”: “مجموعة قصصية واعدة. جاءت متفرّدة بلغتها، ونسقها التركيبي، ورؤيتها السردية، التي اتسمت بالرمزية، والإيحائية، والإيعاز، والتركيز، والاهتمام بذات الفعل، وذات الحال، وفي إطار من تنوع أنساق الخطاب السردي القصصي، الذي جاء مفعمًا بألوانِ التخييل، وخلفيات فلسفية، وتراثية، ورؤية تأملية، تداولية معرفية” ؟([23]). وفي ما يلي مجموعة من القصص القصيرة جدًا من هذه الأضمومة:

جدران)[24] (

ألقى بي في زنزانة،  تذكرت نزيلا، قلبي غافل السجان، ورسم شمسًا ونافذة، تسللت منها، وجدت نفسي في وكر كبير ممتلئ بمخلوقات عارية، عدت إلى سجني الصغير ورسمت ظلاً ومشنقة.

تحني([25])

إبان عودتي مضفرًا استقبلوني بالأهازيج،

زخرفوا صوري بالأوسمة، رفعوا صورتي في الميدان،

انطفأت مصابيح الزينة،  تلعثم المدى،  قبعت أسيرًا في الظلمة

إيماءة؟([26])

فغر الوحش فاه،  ثقبت تجشؤاته الأزرق;

ظلل الأبيض مجتمع الدجاج، استوطنت الحمام المزبلة”.

خاتمة

لا تشكّل هذه الدراسة التي تناولت كتّابًا وباحثين من العالم العربي، إلا شذرة في بحر القصة القصيرة جدًا. العديد من الإصدارات لكتّاب لم يسع هذا البحث لذكرهم منهم “حسن برتال”، “حسن البقالي”، و”عز الدين الماعزي”، و”إسماعيل البويحياوي”، و”حميد ركاطة”، “رولا العمري”، و”فايزة زاد”، وغيرهم كثر… لا يزالون يبحرون في فضاء القصة القصيرة جدًا.

ينهلون ويبحرون في بحر متلاطم الأمواج… لا يحسن الإبحار فيه إلا الربابنة الأشداء حيث يمتاز كلّ ربان بنفس ورؤية خاصّتين. وبعد… ما هو المستقبل الذي ينتظر القصّة القصيرة جدا؟؟

وهل ستحافظ على وجودها كفن أدبي خاص؟ أم سيحدث لها كما حدث مع الومضة بعد أن هجرها الكتّاب وبقيت للهواة ؟ أم أنّ مستقبلها يتجلى في حاضرها..



المصدر: مجلة أوراق ثقافية